المبشر بن فاتك
175
مختار الحكم ومحاسن الكلم
مداراتك ، واجعل نعليك مركبك ، واجعل الأرض مهادك والقمر والنجوم سراجك ، والعلم طلبتك والعمل دأبك وتعلّم الحكمة شأنك - تكن من أفضل أهل زمانك وتلحق من تقدم من محمودى إخوانك . وإياك والفخّ المنصوب على الأرض للرجال من النساء ، فإنه مفسد للحكمة مسقط للرتبة مورث للنقمة مؤد إلى نقص الهمّة . وقال « 1 » : طالب الدنيا قصير العمر كثير الفكر . وقال : طالب الدنيا كراكب البحر : إن سلم [ 36 ب ] قيل مخاطر ، وإن عطب قيل مغرور . وقال : طالب الدنيا كناظر السراب يحسبه سببا « 2 » لريه فيتعب نفسه في طلبه فإذا جاءه خانه ظنّه وفاته أمله وبقي بعطشه ودامت حسرته وخسر طول عنائه . وقال : عمر الإنسان في الدنيا مثل الفىء الذي لا حقيقة له يزول عن موضعه إلى غيره ؛ فإذا التمسه في موضعه لم يجده شيئا . وقال : الإنسان في الدنيا معذّب بجميع أحوالها غير باق عليه ما يصير إليه من أسبابها ، قليل التهنئة بما يجد من ملاذّها ، دائم الغصص بمفارقة أحبابه فيها . وقال : حبّ الدنيا يورث الضغائن فيزرع الأحقاد ويكمن الشر ويمنع البر . وقال : الدنيا تنصح تاركها وتغش طالبها : فنصيحتها لتاركها ما تريه من تغيّرها بأهلها ، وغشها لطالبها ما تذيقه من لذة ساعتها ثم تعقبه مرارة طعمها وسوء منقلبها . وقال : من أراد أن يستعمل الحق بأكثر « 3 » مما يستعمله الملك فإياه وخدمة الملوك « 4 » ! فإن من أراد أن يخدم الملوك فليستعمل القدر الذي يستعمله الملك من الحق ولا يجزه ، فإنه متى جاوزه فليعلم أنه قد ناهض الملك .
--> ( 1 ) ورد في ع ( ص 48 ) . ( 2 ) سببا : ناقصة في ح . ( 3 ) ح : أكثر . ( 4 ) الملوك : ناقصة في ح .